فكّر الدّبّ في إعمار مملكته فبدأ يتنقّل في الغابات ويغري حيواناتها بالالتحاق بمملكته.واتّخذ له يربوعا وزيرا يعينه على إدارة شؤون المملكة.وجعل من الأيّام يوما يجتمع فيه متساكنو الغابة فيغنّون ويرقصون ويقرضون الشّعر بين يدي ملكهم الدّبّ الأبيض.
ذات يوم بينما كان الدّبّ كعادته يتنقّل من غابة إلى أخرى، سمع صوتا شجيّا أطربه إلى حد كبير.وكان الصّوت لبلبل رائع بجمال ريشه وشدوه النّادر.اقترح الدّبّ على البلبل الانتقال إلى مملكته وأغراه بما تحويه الغابة من ثمار شهيّة وزهور فائحة ومياه نهر رقراقة.
وافق البلبل واستقرّ في الغابة الجديدة.وفي يوم الاحتفال من كلّ أسبوع،صار البلبل يشارك الحيوانات واليربوع في الغناء وإلقاء الشّعر.وبينما كان اليربوع يتأتئ ويفأفئ، كان البلبل يملأ الآفاق شدوا جميلا أخّاذا، أسر به قلوب سامعيه وطرب له الدّبّ أيّما طرب، حتّى أنّه بدأ يقرّبه منه يوما بعد يوم ويغدق عليه الهداياوانتهى بأن جعله من المقرّبين إليه ثمّ استوزره مع اليربوع واقتسم بينهما المهامّ.
وزد على ذلك أنّ رائحة اليربوع كانت كريهة،ممّا جعل البلبل يتحاشى مجالسته، أوالاقتراب منه تقزّزا من استنشاق ما يخرج من شدقه من روائح نتنة.
لتلك الأسباب مجتمعة، اغتاظ اليربوع، وبدأ يكيد للبلبل، ويتهجّم عليه ببذيء الكلام.
اشتكى البلبل أمر اليربوع إلى الدّبّ. إلّا أنّه كان عاجزا عن كبح جماح اليربوع المغرور.فهو وزيره ، وهو القارض الوحيد بالمملكة،يقوم بقرض أغصان الأشجار، فيصنع منها تيجانا يهديها الدّبّ لمن شاء أن يغري من السّكّان الجدد للغابة.
عند ذلك لم يكن للبلبل بدّ من مغادرة المملكة والعودة إلى الغابة الكبيرة.
لم يعد الدّبّ يطرب يوم الاحتفال.وتملّكه الضّجر من الرّوائح الكريهة ليربوعه، وفسدت مملكته. فصبّ جام حنقه على البلبل، وبدأ يصفه في غيابه بالغادر، والخائن. ونسي أنّه كان السّبب في ما حدث.فقد كان أحمق باتّخاذه وزيرا نجسا، وكان عاجزا عن إسكات اليربوع النّتن، وعن إيقاف النّزيف بمملكته..
همس الرّاوي: رحم اللّه جدّي حين قال:
"اللّبيب يفهم من الغمز والحمار لا يفهم إلّا بالهمز".
________________________________________
رشيد بن حميدة – تونس- في 15/01/2019

تعليقات
إرسال تعليق